| ظاهرة تفاقم الذكاء الاصطناعي الي درجة الادمان |
د. ريان علي رئيس كرسي اليونسكو في التقنيات الرقمية بجامعة حمد : الذكاء الاصطناعي يفاقم الإدمان الرقمي في أوقات الأزمات
قال الدكتور ريان علي، الأستاذ في كلية العلوم والهندسة بجامعة حمد بن خليفة، عضو مؤسسة قطر، ورئيس كرسي اليونسكو في التقنيات الرقمية والسلوك البشري: إنّ الناس في أوقات عدم اليقين يتجهون بكثافة إلى المنصات الرقمية من أجل التفاعل الاجتماعي، والاطمئنان، والحصول على معلومات آنية، والشعور بالأمان ورصد مجريات الأمور.
غير أنه إذا كانت هذه الظاهرة تحيل بالأساس إلى حاجة إنسانية عميقة بأهمية الوعي الجمعي والشعور بالاستقرار، إلا أنها تطرح في الوقت ذاته تحديات جديدة نابعة من قدرة التقنيات القائمة على الذكاء الاصطناعي على تضخيم أنماط استخدامها بشكل مشكوك في نتائجه وحلوله.
وأضاف أنه لا يكاد يوجد اختلاف على أن فترة النزاعات تسهم بشكل كبير في إعادة تحديد الطرق التي يتفاعل بها الناس مع المنصات الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، إذ يسعون بطبيعتهم إلى التواصل فيما بينهم، والاطمئنان على بعضهم البعض، والحصول على المعلومات التي تساعدهم على استيعاب التحديات والأوقات الصعبة والتعامل معها بفعالية.
وأشار إلى أنّ المنصات القائمة على الذكاء الاصطناعي، سواء كانت روبوتات محادثة أو خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي أو أدوات الصحة الرقمية، صُممت للتنبؤ بالمحتوى وتخصيصه على المستويين الفردي والجماعي. وقد يؤدي هذا التخصيص إلى تحسين تجربة المستخدم، لكنه خلال فترات الاضطراب قد يؤدي إلى تضييق نطاق التعرض للعديد من وجهات النظر الأخرى.
ويشرح الدكتور علي أن «هذا النوع من التجميع «يمكن أن يشوّه تصورات الواقع، ويضخّم المحتوى المشحون عاطفيا، ويعزز المعتقدات القائمة.
بينما تسوق منصات الذكاء الاصطناعي خوارزميات تخصيص المحتوى لرفاهية المستخدم، تكشف السياقات المتقلبة في الأوقات العصيبة عن وجه مغاير، إذْ سرعان ما يتحول التصفح العابر للمحتوى إلى سلوك قهري قد يفضي إلى الإدمان الرقمي أو الهشاشة النفسية.
وقال الدكتور ريان علي: إن تزايد حدة عدم اليقين والإرهاق النفسي يجعلان استجابة الذكاء الاصطناعي وطبيعة هذه الاستجابة غير المتحيزة أمرا ملفتا للنظر، وقد يلجأ الناس إلى منصات الذكاء الاصطناعي ليس فقط لإنجاز بعض مآربهم الروتينية، بل أيضا للحصول على الطمأنينة وإثبات الذات، كما أن التعرض المستمر للأخبار المزعجة والسلوكيات المتكررة للتصرفات، يمكن أن يعزز الاعتماد على الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لفرز المعلومات واستخلاص المعنى.
وأضاف: أن هذا الاعتماد المتزايد على هذا المحتوى قد يفضي أيضا إلى أشكال أخرى من التفاعل الرقمي المستعصي، مثل الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أو الألعاب الإلكترونية، وسرعان ما تتحول الرغبة في أخذ قسط من الراحة أو الحصول على معلومة معينة إلى استخدام متكرر وربما قهري.
وفي معرض حديثه عن دور وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم مشاعر الضيق، قال الدكتور علي: إن خوارزميات هذه المنصات صُممت لإعطاء الأولوية للمحتوى الذي يتوافق مع اهتمامات المستخدمين ويعزز التفاعل.
ورغم أن ذلك يخدم غرضا عمليا في استبعاد المواد غير ذات الصلة، فإنه قد يعزز أيضًا المعتقدات القائمة ويحد من التعرض لوجهات نظر متنوعة».
وقال: خلال فترات الاضطراب الإقليمي يصبح هذا التأثير أكثر وضوحا، إذْ يزداد ميل المستخدمين إلى التفاعل مع المحتوى المشحون عاطفيا أو المثير للقلق، وهو ما تواصل الخوارزميات بدورها تضخيمه.
واستطرد قائلًا: إن العديد من المنصات تعتمد على بعض الآليات السلوكية، مثل المكافأة المؤقتة، إذْ تجمع خصائص، مثل الفيديوهات القصيرة وموجزات الأخبار والتصفح اللانهائي بين إضفاء طابع الشخصنة وبين نظام المكافآت، مما يسهم في ظهور أنماط من السلوك القهري، لا سيما في ظل ظروف يسودها عدم اليقين والحذر الشديد.
ويرى أن هذه التفاعلات ليست عرضية بل تتوافق في الواقع مع نماذج أعمال تعطي الأولوية لحجم التفاعلات والوقت الذي يقضيه المستخدم على المنصة، مضيفا خلال أوقات عدم الاستقرار قد تؤدي الخوارزميات من غير قصد إلى زيادة التوتر، وتعزيز صدى الآراء، والإسهام في أنماط استخدام تشبه أشكالًا أخرى من السلوك الإدماني على المحتوى الأخلاقي.
- تطبيقات الصحة النفسية
وتُمثل تطبيقات الصحة النفسية المدعومة بالذكاء الاصطناعي بُعدا آخر لهذا المشهد المعقد، فرغم ما تعد به من دعم قابل للتوسع، إلا أنه حذر من أنه لا يزال سوق البرمجيات غير منظم إلى حد كبير، لا سيما من حيث التحقق العلمي والأساس السريري، فليست كل التطبيقات تقدم معطيات قائمة على أدلة علمية.
وأضاف أن العديد من نُظم الذكاء الاصطناعي جرى تحسينها لتصبح أكثر وُديةً ودعما، وهو ما قد يفضي، عن غير قصد، إلى تبرير آراء متحيزة أو غير مكتملة. ولفت إلى أن الحث على التأمل الذاتي وطلب وجهات نظر متوازنة من الذكاء الاصطناعي قد يحد من هذا التوجه».
وأكد أنه ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة محفّزة على التفكير والتعلّم، لا بوصفه مصدرًا رئيسيًا للدعم العاطفي. وقال: من باب الاعتبارات الأخلاقية الأساسية أن الناس خلال فترات الاضطرابات قد لا يتوخون نفس القدر من الحذر أو الحكم العقلاني فيما يتعلق بخصوصيتهم، على خلاف شأنهم في الظروف العادية.
وأضاف قائلًا: «إن ارتفاع مستويات التوتر والخوف والإلحاح قد يدفع الناس إلى الإفصاح عن معلومات شخصية أو حساسة أكثر من المعتاد، مما يجعلهم عرضة بشكل خاص لاستغلال البيانات الخاصة بهم. ويتجلى ذلك بالفعل في تزايد حالات الاحتيال والنصب التي تستهدف الأفراد.
ولضمان دعم الذكاء الاصطناعي لمنظومة الصحة النفسية من دون تفاقم الاعتماد على التكنولوجيا الرقمية في أوقات الأزمات، فإنه ينبغي إعادة تأطيره بوصفه أداة للتفكير تشجع على التساؤل والوعي الذاتي وتبني وجهات نظر متوازنة، بدلًا من أن تصبح بديلًا مدفوعًا بالراحة والسهولة.
وخلص الدكتور ريان علي إلى أنه ينبغي مقاربة الذكاء الاصطناعي من زاوية دوره في تعزيز الرعاية الصحية والنفسية للإنسان وآليات التكيف في الحياة الواقعية، لا أنه بديلًا عنها مقاربة تدعم القدرة على الصمود، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الروابط الاجتماعية الضرورية للتفاعل الإنساني على المدى الطويل.
0 Comments: